محمد جمال الدين القاسمي

378

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

إظهار الإيمان وإبطان الكفر . واللّه يفعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع . حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا ، وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ أي : أتوها قامُوا كُسالى أي : متثاقلين كالمكر على الفعل . قال ابن كثير : هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها . وهي الصلاة . إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها . لأنهم لا نية لهم فيها ، ولا إيمان لهم بها ، ولا خشية ، ولا يعقلون معناها . كما روى ابن مردويه عن عطاء عن ابن عباس قال : يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان . ولكن يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح . فإنه يناجي اللّه ، وإن اللّه تجاهه ، يغفر له ويجيبه إذا دعاه . ثم يتلو هذه الآية : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى انتهى . قال الحاكم : وفي الآية دلالة على أن من علامات المنافق الكسل في الصلاة . والكسل : التثاقل عن الشيء لمشقته . فهذه الآية في صفة ظواهرهم كما قال وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [ التوبة : 54 ] ، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة فقال يُراؤُنَ النَّاسَ أي : يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين . لا لإخلاص ومطاوعة أمر اللّه . ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا . كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس . كما ثبت في الصحيحين « 1 » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر . ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا . ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام . ثم آمر رجلا فيصلي بالناس . ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب ، إلى قوم لا يشهدون الصلاة ، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار . وفي رواية « 2 » : والذي نفسي بيده ! لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء . ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم . و روى الحافظ وأبو يعلى عن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من أحسن الصلاة حيث يراه الناس ، وأساءها حيث يخلو ، فتلك استهانة . استهان بها ربّه عز وجل . وقوله وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا فيه وجوه : الأول - معناه ولا يصلون إلا قليلا لأنهم إنما يصلون رياء ما دام من يرقبهم . فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا . وتأويل ( الذكر ) بالصلاة ، روي في غير ما آية عن السلف . الثاني - ولا يذكرون اللّه في

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 252 عن أبي هريرة . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الأذان ، 29 - باب وجوب صلاة الجماعة ، حديث 408 عن أبي هريرة .